ابن الجوزي
15
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ) . إن قيل : إنما عاينوا العذاب يوم القيامة ، فكيف يقع التكذيب منهم قبل وجود الآيات ؟ فالجواب : أنهم كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه المتقدمة ، ومن كذب نبيا فقد كذب سائر الأنبياء ، ولهذا قال : ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل ) ، وقال الزجاج : يجوز أن يكون المراد به نوح وحده ، وقد ذكر بلفظ الجنس ، كما يقال : فلان يركب الدواب ، وإن لم يركب إلا دابة واحدة ، وقد شرحنا هذا في [ سورة ] هود عند قوله : ( وعصوا رسله ) . وقد سبق معنى التدمير . فوله تعالى : ( وأصحاب الرس ) في الرس ثلاثة أقوال : أحدها : أنها بئر كانت تسمى الرس ، قاله ابن عباس في رواية العوفي . وقال في رواية عكرمة : هي بئر بآذربيجان . وزعم ابن السائب أنها بئر دون اليمامة . وقال السدي : بئر بأنطاكية . والثاني : أن الرس قرية من قرى اليمامة ، قاله قتادة . والثالث : أنها المعدن ، قاله أبو عبيدة ، وابن قتيبة ، وفي تسميتها بالرس قولان : أحدهما : أنهم رسوا نبيهم في البئر ، قاله عكرمة . قال الزجاج : رسوه ، أي : دسوه فيها . والثاني : أن كل ركية لم تطو فهي رس ، قاله ابن قتيبة ، واختلفوا في أصحاب الرس على خمسة أقوال : أحدها : أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة ، فبعث الله إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب ، فحفروا له بئرا وألقوه فيها ، فهلكوا ، قاله علي بن أبي طالب . والثاني : أنهم قوم كان لهم نبي يقال له : حنظلة بن صفوان ، فقتلوا نبيهم فأهلكهم الله ، قاله سعيد بن جبير . والثالث : أنهم كانوا أهل بئر ينزلون عليها ، وكانت لهم مواش ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله إليهم شعيبا ، فتمادوا في طغيانهم ، فانهارت البئر ، فخسف بهم وبمنازلهم ، قاله وهب بن منبه . والرابع : أنهم الذين قتلوا حبيبا النجار ، قتلوه في بئر لهم ، وهو الذي قال : ( يا قوم اتبعوا المرسلين ) ، قاله السدي . والخامس : أنهم قوم قتلوا نبيهم وأكلوه ، وأول من عمل السحر نساؤهم ، قاله ابن السائب .